تأليف :د.جميل قاسم
وينهض الكتاب على جملة من الدراسات التي يجمعها خيط من الارتباط والتواصل يبدأ من العرب واستحقاقات الحداثة والعولمة والعلم والتغيير، بقيمها الإنسية والأنوارية الجديدة، ثم قيم العقل والعقلانية والديمقراطية والتعددية والنقد، والفردية الجماعية والاتفاق والاختلاف، والاختلاف والاعتراف، ويصل إلى قضية «نقد الذات العربية»، لينتهي عند قضية المرأة من منظور مختلف وحقوق الإنسان والأمة والدور والقائد.
لكن السؤال المحايث للكتاب هو، هل من الممكن الدخول إلى عالم أو عصر ما بعد الحداثة من خلال كل ما سبق
قد لا نجد إجابة محددة في الكتاب، لأنه يمثل «دعوة نهضوية، إنسانية، حديثة تقوم في ضوئها النهضة العربية الجديدة المفقودة والمنشودة على أبواب القرن الحادي والعشرين». والنهضة المرجوة يعدّها المؤلف نهضة ثالثة، انطلاقا من أن الفكر العربي ينحصر بين نهضتين، الأولى كلاسيكية، والثانية حديثة. وظهرت في النهضة الأولى أنماط فكرية وعلمية وحضارية جديدة على أرضية التثاقف مع «الآخرين»، باعتبارهم الوجه الآخر للذات، فظهرت الفلسفة التي أوجبت النظر بالموجودات كموجودات.
وتطورت العلوم التجريبية. أما النهضة الثانية في العصور الحديثة فقد ولدت في سياق متكسر، من التطور التاريخي، في عملية من التثاقف على هامش عملية الاستبناء بين وعي محلي وسيط، وخطاب أوروبي تمركزي، فاختلطت الإمبريالية بالتطورية، والتقنية بالعلم، والدولة بالأمة، والفلسفة بالكلام، والإصلاح بالأصولية، والأنوار بالظلامية.
وبالتالي فإن نهضتنا ناقصة وحداثتنا ناكصة، إذ دخلنا الألفية الثالثة وما زلنا ـ كجماعة ـ بلا مشروع ولا مشروعية، ومازال الفكر في حالتنا الراهنة، محدود بحد الكفر، والسياسة تختلط بالاستبداد، والثقافة تعويضية وارتكاسية.
ونشبه تمثال جانوس، إذ ننظر إلى الماضي والمستقبل بعين واحدة، نقرن موات النهضة الحاضرة وفوات الحداثة، بنهضة الماضي في نظرة واحدة. والنتيجة تفسر حسب اعتقاد المؤلف تقدم الغرب المطلق وتأخر العرب الكلي.
وينظر المؤلف إلى النهضة بوصفها تكرّس سلطة النقد سلطة مطلقة، وهي بحاجة إلى ديمومة أسئلة النقد، الأمر الذي يستوجب منهجاً نقدياً في إعادة قراءة وكتابة وتأريخ الفكر النهضوي، النهضة الأولى، والنهضة الثانية، نحو نهضة ثالثة حقيقية. ويستوجب نقد النهضة، نهضة النقد، ونقد النقد، بحثاً عن نهضة مفقودة ومنشودة تدخلنا في عصر العولمة وما بعد الحداثة.
إن غاية المؤلف غاية نهضوية ـ حداثوية، هدفها نقل الوعي العربي بالذات، وبالذاتية، من التقليد والاحتذاء والاتباع، إلى الإصلاح والنهضة والحداثة، التي تقرن الدين بالحداثة والحداثة بالدين، وهدفه هو التذكير بالاستحقاق الوجودي الحداثوي في مرحلة ما بعد الحداثة، بضرورة الحضور المضارع في حضرة الوجود، الحضور الفاعل المريد الخالق الأصيل، القوي والفعّال.
ويرى المؤلف أن حداثة ما بعد الحداثة أو الحداثة البعدية، الحداثة الأنوارية، لا تتحدد بأي معطة سابق أو لاحق على الحداثة، لأن الحداثة المتأسسة على العلم والعقل والنقد، ونقد النقد تتحدد بذاتية الحداثة. وسؤال الهوية، قد يقبل ولا يقبل ويمحّص كل الأجوبة.
المفكر فيها واللامفكر فيها، في حداثة ما بعد الأنوار العربية، لأن أصالة الفكر كامنة في تجديد الفكر، وتجاوز الكلمة ـ المركزية وتجديد المعنى، ونقد النقد في جدلية المعرفة، في تأسسها على حداثة الأنوار، تأسس الاسم على المسمى، الدال على المدلول، والماهية على ظاهرة الوجود.
المشكلة في طرح المؤلف هو وضع الحداثة وما بعد الحداثة أو الحداثة البعدية في ذات الإطار من التطابق، مع العلم أن اتجاهات ما بعد الحداثة جاءت لترد على مآلات الحداثة، واتخذت نقد الحداثة مفتاحاً لها.
ثم أن هنالك جدلاً كبيراً حول دخول العديد من البلدان الأوروبية مرحلة ما بعد الحداثة التي يطالب المؤلف العرب بالدخول إليها. لكن يبدو أن مطمح النهضة التي يسعى إليه المؤلف جعله يضحي بالتوافق ما بين المفاهيم، إذ المهم هو دخول الحداثة والخلاص من حالة الفوات والتردي والتخلف العربي.
ويؤكد المؤلف أنه من أجل أن يتمكن العرب من تخطي الهزائم والنكسات والنكبات لا بد لهم من إنجاز مشروعهم النهضوي والتنويري، الأمر الذي اقتضى منه مهمات متعددة من النقد المتعدد، نقد الذات، ونقد الآخر، ونقد التراث، بغية الوصول إلى فكر جديد، حديث، وما بعد أنواري، أو ما بعد حداثوي، يقرن «القيمة بالمعنى».
والجديد بالجدة، والحداثة بالأصالة، بالرغم من وصول قيم الحداثة والمعاصرة الكونية إلى أفق مسدود في العالم الأوروبي، فيما المطلوب من العالم العربي هو أن يفتح الثغرات في هذا الأفق، كي تستمر مسيرة الأمم والشعوب والإنسانية نحو المستقبل الأفضل.
وعليه يوحد المؤلف ما بين هموم وقضايا جميع المجتمعات العربية، معتبراً مشكلاتها موحدة ومتشابهة، فيما واقع الحال يشهد على تعبيرات مختلفة للمشاكل والهموم التي تبدأ بالعيش الكريم والخبز والحرية والكرامة والتقدم والعدالة والديمقراطية، التي لن تجد حلاً والاستبداد السياسي مقيم مع إقامة النظم الشمولية والتسلطية.
وغني عن القول إن المراحل المقبلة للنهوض تتطلب الكثير والكثير، فمسؤولية التحديث والحداثة ليست مسؤولية الدولة وحدها، إنما مسؤولية الدولة والمواطنين في ذات الوقت، المرأة والرجل دون تمييز ولا أفضلية، إنها مسؤولية مجتمع يحتاج إلى تغيير في المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية، وتطوير للقيم والممارسات، وتغيير للنهج السياسي، القائم على الوحدة ورفض التعددية، وفتح الآفاق لتثوير المجالات العلمية والثقافية والإعلامية.
وقد استدعت دعوة المؤلف إلى النهضة العودة إلى النقد الذي طاول الذات العربية بعد هزيمة يونيو 1967، وعلى خلفيته يعالج المؤلف المسألة القومية وفق مقاربة وجودية فلسفية، لا تأخذ في الحسبان المقاربات الأخرى بالرغم من الاستناد إليها في بعض المواقع. وعليه يرى أن المثقف المفكر الملتزم بالسياسة يتوجب عليه أن يرى اللامرئي.
ويستحضر الماضي ويستبصر الآتي، ذلك «أن رسالتنا وغاية وجودنا، ودورنا الإنساني، كأمة وسطى، تجمع في قوامها الحضاري الروح بالمادة، الماضي بالحاضر، الجغرافيا بالتاريخ، والبيئة بالمجال الحيوي، وهي مناط بها القيام بمهمتها التاريخية الإنسانية المستقبلية المزدوجة الآيلة إلى تحرير الإنسان وتحرير الإنسانية».
وفي سياق الخوض في أزمة القيمة والمعنى، يعطي المؤلف أهمية قصوى لتجديد المعنى وتثبيت القيمة، وفحصها باستمرار، لأن الحرية لا تعطى بل تؤخذ أخذاً، وإلا كانت كالكفن لا كالشراع. أما الديمقراطية، فهي ليست وجبة سريعة «هامبرغر» في حضارة الاستهلاك اللانهائي وفي وحدانية السوق الاستبدادية.
والحرية هي «حرية الفعل والكرامة»، وليست «حرية القول والنص»، ولا تتعين الديمقراطية بالماهية والشعار، وإنما بالاختيار، الاختيار الوجودي الفاعل، ولا ينبغي للديمقراطية أن تكون ديمقراطية تمثيلية او توكيلية او سوقية قائمة على منطق السوق والسلعة والاستهلاك.
وهي حال ديمقراطيات المناطق الاستوائية «الأزيتموية» (Isotomique)، وإنما ينبغي أن تكون ديمقراطية تكافلية وتكافؤية «تيموسية» (Tymos) في الوقت نفسه، تقوم على تحقيق الذات الفردية والجماعية للأفراد والجماعات وللشعوب وللإنسانية جمعاء.
ويعتبر المؤلف أن الجدل الذي ينهض على النفي والخلاف والتضاد أو التطابق بين الفكرة والموضوع، والأيديولوجيا والوقائع، ينبغي أن يعلن نهاية الأيديولوجيات «السوداوية» الكبرى، التي مرت في العصور الحديثة بالبونابرتية، واستمرت مع الفاشية والنازية بوجهيهما اليميني، وتلك التي بدأت بالهيغلية واختتمت بالماركسية الستالينية الاستبدادية، بوجهيهما اليساري.
وقد أفضى أمر تلك الإيديولوجيات إلى الانهيار المريع، وإلى نشوء نظام عالمي إمبريالي غربي وحيد، فيما المطلوب هو قيام نظام عالمي تعددي وإنساني جديد، يقوم على منطق الاختلاف والاعتراف بالآخر وبخصوصياته، وبالحوار والتفاعل والتبادل.
والإقرار بحق وجود التعدد والتنوع الاجتماعي، من غير إغفال لقيم الغيرية وتقرير المصير لدى مختلف الأفراد والجماعات. فهناك فرق واسع ما بين حرية القول وحرية الفعل، وقول الحرية وفعل الحرية.
وفرق كبير أيضاً ما بين الديمقراطية الامبريالية الجديدة، القائمة على الهيمنة والسيطرة الامبريالية من جهة، وحرية الشعوب التي يفترض أن تقرن الحرية بالوحدة وبالتنمية، وأن تقرن الديمقراطية بالنهضة والإصلاح بالتنوير.
* الكتاب: العرب وما بعد الحداثة نقد الفكر السياسي
* تأليف: د. جميل قاسم
* الناشر:دار النهضة العربية ودار الأنوار ـ بيروت 2006
* الصفحات:202 صفحة من القطع المتوسط

































» "يوليوس قيصر" تراجيدية رومانية مجسدة بحس عربي
» علميني إزاي أحبك
» قراءة في رواية : أن ترحل
» المتشائل
» من اوراقي .. فسوق عبده خال .. جسد يتنفس هواء فاسد
» رواية بنات الرياض
» العرب وما بعد الحداثة
» قراءة لغوية في شعر بلند الحيدري
» توقف النقد يعني توقف الفكر
» المصابيح الزرق
» عبد الله ثابت .. والعنف الشعري
» الحداثة وعلاقتها بالدين والأدب
» قراءة نقدية زمن الغياب .. الكتابة التجريبية الحرة لقصص الكات
» تحديثات "علم النفس" وماهية الإنسان؟
» مفتتحات لقراءة أولية في القصيدة الشعبية (السبعينية)
» سيمولوجيا البداوة وسرديات المقاومة
» ايناس البدران .. في اربعينية الشاعرة الرائدة نازك الملائكة
» جاسم العايف …عالم "غائب طعمة فرمان" الروائي
» توفيق حنون المعموري ... إشكالية الإيقاع في قصيدة النثر
» فليحة حسن ... قراءة في كتاب
» تابع الجزء الثاني من (دراسات نقدية: د . حسن فتح الباب ... &q
» دراسات نقدية: د . حسن فتح الباب ... "الأفق نافذتي "